الشيخ أبو طالب التجليل التبريزي

165

معجم المحاسن والمساوئ

لأنّه استهزاء به ، مع أنّ الفرح مطلقا في صورة الصدق من السفاهة ، إذ الوصف الّذي مدح به إن كان ممّا لا يستحقّ الفرح به ، كالثروة والجاه وغيرهما من المطالب الدنيوية ، فالفرح به من قلّة العقل ، لأنّها كمالات وهمّية لا أصل لها ، وإن كان ممّا يستحقّ الفرح به كالعلم والورع ، فالفرح إنّما هو لكونه مقرّبا إلى اللّه ، وهذا فرع حسن الخاتمة وهو غير معلوم . ففي الخوف من خطر الخاتمة شغل شاغل من الفرح بكلّ شيء . وأمّا دلالة المدح على تسخير قلب المادح وكونه سببا لتسخير قلب من يسمعه ، فحبّ ذلك يرجع إلى حبّ الجاه والمنزلة في القلوب ، وقد سبق طريق معالجته . وأما دلالته على الحشمة ، فإنّها ليست إلّا قدرة عارضة ناقصة لا ثبات لها ، والعاقل لا يفرح بمثلها . وأمّا علاج الثاني : - أعني كراهة الذمّ - فيعلم بالمقايسة على علاج حبّ المدح . والقول الوجيز فيه : أنّ من يذمّك إن كان صادقا وقصده النصح والإرشاد ، فلا ينبغي أن تبغضه وتغضب عليه ، بل ينبغي أن تفرح وتجتهد في إزالة الصفة المذمومة عن نفسك ، وما أقبح بالمؤمن أن يغضب على من يحسن إليه ويريد هدايته . وإن كان قصده الإيذاء والتعنّت ، فلا ينبغي لك أيضا أن تبغضه وتكره ذلك ، لأنّه أرشدك إلى عيبك إن كنت جاهلا به ، وذكرك إيّاه إن كنت غافلا عنه ، وقبحه في عينك إن كنت متذكّرا له . وعلى التقادير قد استفدت منه ما تنتفع به ، وينبغي لك أن تغتنمه وتبادر إلى إزالة عيبك . وإن كان كاذبا مفتريا عليك بما أنت منه بريء ، فينبغي لك أيضا ألا تكره ذلك ولا تشتغل بذمّه ، لأنّك وإن خلوت من ذلك العيب ، إلّا أنّك لا تخلو من عيوب آخر مساوية له وأفحش منها ، فاشكر اللّه تعالى على أنّه سترها ولم يطلع أحدا عليها ، ودفعها بذكر ما أنت منه بريء ، مع أنّه كفّارة لبقيّة مساويك . ومن ذمّك أهدى إليك حسناته وجنى على دينه ، حتّى سقط من عين اللّه وأهلك نفسه بافترائه عليك ، فما بالك تحزن بحطّ ذنوبك وإهداء الحسنات إليك ؟ ولم تغضب عليه ، مع أن اللّه سبحانه غضب عليه وأبعده من رحمته ؟ فإنّ ذلك كاف لانتقامك منه » .